علي بن أحمد المهائمي
384
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الوجود المطلق ، فطلب ما لا يمكن وجوده في الخلق ذوقا ، فإنّ الكيفيّات لا تدرك إلّا بالأذواق ] . وإليه الإشارة بقوله : ( واعلم أنها لا تسمى الأعيان الثابتة بالحقيقة مفاتيح إلا في حال الفتح ) لما تقرر أن شرط صدق المشتق استصحاب أصله في الأصح ، ( وحال الفتح هو حال تعلق التكوين بالأشياء ) عند القائلين به ، وهو الشيخ أبو منصور الماتريدي وأتباعه ، أو قل على مذهب منكريه كالأشعري ، وكذا على مذهب الماتريدي ( إن ثبت حال تعلق القدرة بالمقدور ) ، والاطلاع على الحقائق في إحدى هاتين الحالتين بالطريق الذوقي لغير اللّه محال ؛ وذلك لأنه ( لا ذوق لغير اللّه في ذلك ) ، والاطلاع على الشيء إما بالمشاعر أو العقل أو الكشف ، لكن لا دخل للأولين في إدراك الحقائق ؛ لعجز أرباب العقول عن ذلك فضلا عن أرباب الحس ، فما بقي إلا الكشف ، وهو بطريق الذوق ، ولا يمكن حصوله لغير اللّه تعالى . ( فلا يقع فيها تجلّ ولا كشف ) ، وإنما امتنع حصول ذلك الذوق لغير اللّه تعالى ( إذ لا قدرة ولا فعل ) حقيقين يتم بهما الفتح ( إلا للّه خاصة ) ؛ لامتناع قيام الصفة الحقيقية بغير الموجود ، وليس إلا اللّه تعالى ( إذ له الوجود المطلق الذي لا يتقيد ) ، وإن ظهر فيها قيد ، وإلا لم يكن ظهوره في نقيضه ، ولا في نظيره ، إذ المقيد عدم عند عدم قيده ولو فرضا ، فيجوز نفيه والحقيقي لا يجوز نفيه ، فلا حقيقي إلا المطلق دون المقيد ؛ فلا تقوم الصفة الحقيقية به ، فغاية ما يمكن أن يحصل للعبد من ذلك دون تعلق التكوين والقدرة غير الحقيقيين ، ولكن لا مفتاحية بذلك ، وهذا معنى قول أهل السنة : إنه لا تأثير للوسائط في الأشياء ، بل المؤثر ابتدأ فيها ، وهو اللّه تعالى ، وإن جرت سنته أن يفعل المسببات عند وجود أسبابها . ولما كان الاطلاع على سرّ القدر « 1 » متنوعا إلى ممكن في حق المخلوق ، وهو الاطلاع على الأعيان من حيث هي أعيان ، وإلى ممتنع في حقّه ، وهو الاطلاع عليها من حيث مفتاحيتها ، والأول لا يوجب طلبه العتاب ، وإنما يوجبه الثاني ؛ ( فلما رأينا عتب الحق له عليه السّلام في سؤاله في القدر ) ، واحترز به عن سؤاله كيفية الإحياء الذي لا عتاب فيه ( علمنا
--> ( 1 ) يشيرون به إلى أن حكم اللّه تعالى في الأشياء ، وعليها ، إنما هو بها ، وتقرير ذلك : هو أنه لما كان القضاء عبارة عن حكم اللّه في الأشياء على ما أعطته من المعلومات ، مما هي عليه في نفسها ، والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد ، فما حكم القضاء على الأشياء إلا بها ، وهذا هو عين سر القدر ؛ فسرّ القدر من أجلّ العلوم ، وما يفهّمه اللّه إلا لمن اختصه بالمعرفة التامة ؛ فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالم به ، ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضا ، إلا لمن أشهده اللّه عينه الثابتة ؛ لأنه من أكابر السعداء ؛ فهذا الشخص يسميه شيخنا صفاء خلاصة خاصة الخاصة ، كما ذكر ذلك في « الفص الشيثي » ( لطائف الإعلام ص ( 745 ) ) ) .